الشوكاني
182
فتح القدير
أكول لمال الكل قبل شبابه * إذا كان عظم الكل غير شديد وفى هذا بيان لعدم قدرته على إقامة مصالح نفسه بعد ذكر عدم قدرته على شئ مطلقا . ثم وصفه بصفة رابعة فقال ( أينما يوجهه لا يأت بخير ) أي إذا وجهه إلى أي جهة لا يأت بخير قط ، لأنه لا يفهم ولا يعقل ما يقال له ولا يمكنه أن يقول . وقرأ يحيى بن وثاب " أينما يوجه " على البناء للمجهول ، وقرأ ابن مسعود " أينما توجه " على صيغة الماضي ( هل يستوى هو ) في نفسه مع هذه الأوصاف التي اتصف بها ( ومن يأمر بالعدل ) أي يأمر الناس بالعدل مع كونه في نفسه ينطق بما يريد النطق به ويفهم ، ويقدر على التصرف في الأشياء ( وهو ) في نفسه ( على صراط مستقيم ) على دين قويم وسيرة صالحة ليس فيه ميل إلى أحد جانبي الإفراط والتفريط . قابل أوصاف الأول بهذين الوصفين المذكورين للآخر ، لأن حاصل أوصاف الأول عدم استحقاقه لشئ ، وحاصل وصفى هذا أنه مستحق أكمل استحقاق ، والمقصود الاستدلال بعدم تساوى هذين المذكورين على امتناع التساوي بينه سبحانه وبين ما يجعلونه شريكا له . ولما فرغ سبحانه من ذكر المثلين مدح نفسه بقوله ( ولله غيب السماوات والأرض أي يختص ذلك به لا يشاركه فيه غيره ولا يستقل به ، والمراد علم ما غاب عن العباد فيهما ، أو أراد بغيبهما يوم القيامة لأن علمه غائب عن العباد ، ومعنى الإضافة إليهما التعلق بهما . والمعنى : التوبيخ للمشركين والتقريع لهم : أي أن العبادة إنما يستحقها من كانت هذه صفته لا من كان جاهلا عاجزا لا يضر ولا ينفع ولا يعلم بشئ من أنواع العلم ( وما أمر الساعة ) التي هي أعظم ما وقعت فيه المماراة من الغيوب المختصة به سبحانه ( إلا كلمح البصر ) اللمح النظر بسرعة ، ولا بد فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي وكل زمان قابل للتجزئة ، ولذا قال ( أو هو ) أي أمرهما ( أقرب ) وليس هذا من قبيل المبالغة ، بل هو كلام في غاية الصدق ، لأن مدة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية ، ومنها إلى الأبد غير متناه ، ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي ، أو يقال : إن الساعة لما كانت آتية ولا بد جعلت من القرب كلمح البصر . وقال الزجاج : لم يرد أن الساعة تأتى في لمح البصر ، وإنما وصف سرعة القدرة على الإتيان بها ، لأنه يقول للشئ كن فيكون : وقيل المعنى : هي عند الله كذلك وإن لم تكن عند المخلوقين بهذه الصفة ، ومثله قوله سبحانه - إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا - ولفظ أو في " أو هو أقرب " ليس للشك بل للتمثيل ، وقيل دخلت لشك المخاطب ، وقيل هي بمنزلة بل ( إن الله على كل شئ قدير ) ومجئ الساعة بسرعة من جملة مقدوراته . ثم إنه سبحانه ذكر حالة أخرى للإنسان دالة على غاية قدرته ونهاية رأفته فقال ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ) وهذا معطوف على قوله ( والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا ) منتظم معه في سلك أدلة التوحيد : أي أخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا لا علم لكم بشئ ، وجملة لا تعلمون شيئا في محل نصب على الحال ، وقيل المراد لا تعلمون شيئا مما أخذ عليكم من الميثاق ، وقيل لا تعلمون شيئا مما قضى به عليكم من السعادة والشقاوة ، وقيل لا تعلمون شيئا من منافعكم . والأولى التعميم لتشمل الآية هذه الأمور وغيرها اعتبارا بعموم اللفظ . فإن شيئا نكرة واقعة في سياق النفي . وقرأ الأعمش وابن وثاب وحمزة " إمهاتكم " بكسر الهمزة والميم هنا ، وفى النور والزمر والنجم . وقرأ الكسائي بكسر الهمزة وفتح الميم . وقرأ الباقون بضم الهمزة وفتح الميم ( وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) أي ركب فيكم هذه الأشياء ، وهو معطوف على أخرجكم ، وليس فيه دلالة على تأخير هذا الجعل عن الإخراج لما أن مدلول الواو هو مطلق الجمع ، والمعنى : جعل لكم هذه الأشياء لتحصلوا بها العلم الذي كان مسلوبا عنكم عند إخراجكم من بطون أمهاتكم وتعملوا بموجب العلم من شكر المنعم وعبادته والقيام بحقوقه ، والأفئدة جمع فؤاد ، وهو وسط القلب منزل منه بمنزلة القلب من الصدر ، وقد